العيني
37
عمدة القاري
ويمن ، أما تهامة فهي الناحية الجنوبية من الحجاز ، وأما نجد فهي الناحية التي من الحجاز والعراق ، وأما الحجاز فهو جبل يقبل من اليمن حتى يتصل بالشام ، وفيه المدينة وعمان . وأما العروض فهي اليمامة إلى البحرين . قال : وإنما سمي الحجاز حجازا لأنه يحجز بين نجد وتهامة . ومن المدينة إلى طريق مكة إلى أن يبلغ مهبط العرج حجازا أيضا ، وما وراء ذلك إلى مكة وجدة فهو تهامة . وقال الواقدي : الحجاز من المدينة إلى تبوك ، ومن المدينة إلى طريق الكوفة . ومن وراء ذلك إلى أن يشارف أرض البصرة فهو نجد ، وما بين العراق وبين وجرة وعمرة الطائف نجد ، وما كان من وراء وجرة إلى البحر فهو تهامة ، وما كان بين تهامة ونجد فهو حجاز ، وقال قطرب : تهامة من قولهم : تهم البعير تهما ، دخله حر ، وتهم البعير إذا استنكر المرعى ولم يستمر به ، ولحم تهم : خنز . ويقال : تهامة وتهومة . وقيل : سميت تهامة لأنها انخفضت عن نجد فتهم ريحها أي تغير ، وعن ابن دريد : التهم شدة الحر وركود الريح ، وسميت بها تهامة . قوله : ( وهو بنخلة ) ، بفتح النون وسكون الخاء المعجمة : وهو موضع معروف ثمة ، وبطن نخلة موضع بين مكة والطائف . وقال البكري : نخلة ، على لفظ الواحدة من النخل : موضع على ليلة من مكة ، وهي التي نسب إليها بطن نخلة ، وهي التي ورد الحديث فيها ليلة الجن ، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث . قوله : ( عامدين ) ، حال ، وإنما جمع ، وإن كان ذو الحال واحدا ، باعتبار أن أصحابه معه ، كما يقال : جاء السلطان ، والمراد : هو واتباعه ، أو جمع تعظيما له . قوله : ( استمعوا له ) أي : أنصتوا ، والفرق بين السماع والاستماع أن باب الافتعال لا بد فيه من التصرف ، فالاستماع تصرف بالقصد والإصغاء إليه ، والسماع أعم منه . قوله : ( فهناك ) ، ظرف مكان ، والعامل فيه : قالوا . ويروى : ( فقالوا ) ، بالفاء فالعامل : رجعوا ، مقدرا يفسره المذكور . قوله : ( أوحي إلي ) وقرأ حيوة الأسدي : * ( قل أوحي إلي ) * ( الجن : 1 ) . وقال الزجاج في ( المعاني ) : الأكثر أوحيت ، ويقال : وحيت ، فالأصل : وحى . إلى قوله : * ( نفر من الجن ) * ( الجن : 1 ) . قال الزجاج : هؤلاء النفر من الجن كانوا من نصيبين ، وقيل : أنهم كانوا من اليمن ، وقيل : إنهم كانوا يهودا . وقيل : إنهم كانوا مشركين . وذكر ابن دريد أن أسماءهم : شاصر وماصر والأحقب ومنشىء وناشىء ، لم يزد شيئا . وفي ( تفسير الضحاك ) : كانوا تسعة من أهل نصيبين ، قرية باليمن غير التي بالعراق ، وفي رواية عاصم عن زر بن حبيش : أنهم كانوا سبعة : ثلاثة من أهل حران ، وأربعة من نصيبين ، ذكره القرطبي في ( تفسيره ) وعند الحاكم : عن ابن مسعود ، رضي الله تعالى عنه : هبطوا على النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ببطن نخلة وكانوا تسعة : أحدهم زوبعة ، وقال : صحيح الإسناد . وعند القرطبي : كانوا اثني عشر ، وعن عكرمة : كانوا اثني عشر ألفا . وفي ( تفسير النسفي ) : وقيل : كانوا من بني الشيبان ، وهم أكثر الجن عددا ، وهم عامة جنود إبليس . قوله : * ( قرآنا عجبا ) * ( الجن : 1 ) . أي : بديعا مبينا لسائر الكتب في حسن نظمه وصحة معانيه ، قائمة فيه دلائل الإعجاز . وانتصاب : عجبا ، على أنه مصدر وضع موضع التعجب وفيه مبالغة ، والعجب ما خرج عن حد إشكاله ، ونظائره قوله : * ( يهدي إلى الرشد ) * ( الجن : 2 ) . أي : يدعو إلى الصواب . وقيل : يهدي إلى التوحيد والإيمان . قوله : * ( فآمنا به ) * ( الجن : 2 ) . أي : بالقرآن . قوله : * ( ولن نشرك بربنا أحدا ) * ( الجن : 2 ) . يعني : لما كان الإيمان بالقرآن إيمانا بالله عز وجل وبوحدانيته وبراءة من الشرك قالوا : * ( لن نشرك بربنا أحدا ) * ( الجن : 2 ) . قوله : ( فأنزل ) الله على نبيه : * ( قل أوحي إليّ ) * ( الجن : 1 ) . أي : قل يا محمد ، أي : أخبر قومك ما ليس لهم به علم ، ثم بين فقال : * ( أُوحي إلي أنع استمع نفر من الجن ) * ( الجن : 1 ) . وقال ابن إسحاق : لما أيس رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، من خبر ثقيف انصرف عن الطائف راجعا إلى مكة حتى كان بنخلة ، قام من جوف الليل يصلي . فمر به النفر من الجن الذين ذكرهم الله تعالى ، وهم فيما ذكر لي سبعة نفر من أهل جن نصيبين ، فاستمعوا له ، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا ، فقص خبرهم عليه ، فقال تعالى : * ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ) * إلى قوله : * ( أليم ) * ثم قال تعالى : * ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ) * ( الأحقاف : 29 ) . إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة ، وإلى هذا المعنى أشار البخاري بقوله : وإنما أوحي إليه قول الجن ، ، وأراد بقول الجن هم الذين قص خبرهم عليه . ذكر ما يستفاد منه : وهو على وجوه : الأول : في وقت صرف الجن إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وكان ذلك قبل الهجرة بثلاث سنين ، وقبل الإسراء . وذكر الواقدي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الطائف لثلاث بقين من شوال وأقام خمسا وعشرين ليلة ، وقدم مكة لثلاث وعشرين خلت من ذي القعدة يوم الثلاثاء ، وأقام بمكة ثلاثة أشهر ، وقدم عليه جن الحجون في ربيع الأول سنة إحدى